شرارة العنف: اعتداء على متقاعد وتصاعد التوترات
اندلعت الشرارة الأولى لهذه الأحداث المتوترة بعد أيام قليلة من تعرض متقاعد يبلغ من العمر 68 عاماً للضرب في الشارع يوم الأربعاء 9 يوليو. صرّح الرجل لوسائل الإعلام المحلية بأنه تعرض للاعتداء من قبل ثلاثة شبان من أصول شمال أفريقية. لم يتم القبض على أي مشتبه به حتى الآن في حادثة الاعتداء هذه، التي تم تصويرها ونشرها على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مما أثار غضباً شعبياً واسعاً.
في أعقاب هذا الحادث، شهدت البلدة، التي يبلغ عدد سكانها حوالي 36 ألف نسمة، اضطرابات أقل حدة في الأيام التي تلت الاعتداء. ثم تصاعد الوضع بشكل حاد في ليلتي الجمعة والسبت.
أعمال شغب منظمة وتواجد مكثف للشرطة
خلال ليلتي الجمعة والسبت، ورغم التواجد المكثف للشرطة والحرس المدني، جابت مجموعات مسلحة بالهراوات شوارع توري باتشيكو بحثاً عن أشخاص من أصول أجنبية، وفقاً لما ذكرته صحيفة “لا أوبينيون دي مورسيا” الإقليمية. أظهرت مقاطع فيديو انتشرت على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي مشاهد لرجال يرتدون ملابس تحمل رموزاً لليمين المتطرف يلقون أشياء على مهاجرين يحملون أعلاماً مغربية في وسط المدينة. كما وثقت اللقطات حاويات القمامة والحواجز وهي تحترق في الشوارع.
تحدث بيدرو أنخيل روكا تيرنيل، رئيس بلدية توري باتشيكو، لقناة آر تي في إي التلفزيونية العامة، مؤكداً أن رجال الشرطة نجحوا في منع مواجهة مباشرة بين المجموعتين. وأشار إلى أن معظم المشاركين في أعمال الشغب جاءوا من مناطق أخرى، وليسوا من سكان البلدة الأصليين.
تحريض اليمين المتطرف ودعوات الكراهية
لعبت جماعات اليمين المتطرف دوراً محورياً في تأجيج هذه الاضطرابات. أكدت ماريولا جيفارا، مندوبة الحكومة المركزية في منطقة مورسيا، أن أعمال العنف اندلعت بسبب منشورات تحريضية على وسائل التواصل الاجتماعي من قبل هذه الجماعات، والتي حثت بشكل صريح على “مطاردة المهاجرين”. وأشارت جيفارا إلى أن السلطات رصدت هذه المنشورات التي دعت إلى شن هجمات على الأشخاص من أصول شمال أفريقية، وتحديداً من قبل مجموعة تُدعى “اطردوهم الآن“.
كما نددت جيفارا بـ”خطاب الكراهية” و”التحريض على العنف” مع انتقال الجماعات اليمينية المتطرفة إلى المدينة. من جانبها، أدانت وزيرة الشباب الإسبانية سيرا ريجو، العضو في تحالف “سومار” اليساري المتشدد، العنف ضد المهاجرين، وألقت باللوم بشكل مباشر على “اليمين المتطرف” في هذه الاضطرابات.
استجابة السلطات والدعوة للهدوء
في مواجهة تصاعد العنف، نشرت الحكومة الإسبانية ضباطاً إضافيين من الحرس المدني في توري باتشيكو لتجنب المزيد من أعمال الشغب. ويركز فرانسيسكو بوليدو، رئيس الحرس المدني في منطقة مورسيا، على التحقيق في جرائم الكراهية المحتملة، بالإضافة إلى جهود تفريق الحشود ومنع العنف.
أطلقت السلطات الإسبانية نداءات متكررة للهدوء يوم الأحد 13 يوليو. كتب فرناندو لوبيز ميراس، الرئيس المحافظ لحكومة منطقة مورسيا، على موقع X (تويتر سابقاً) قائلاً: “توري باتشيكو يجب أن يعود إلى طبيعته. أتفهم الإحباط، لكن لا شيء يبرر العنف”. كما دعا رئيس البلدية بيدرو أنخيل روكا تيرنيل السكان إلى التزام الهدوء.
سياق الهجرة والتحديات الاجتماعية
تأتي هذه الاضطرابات في سياق جدل متنامٍ حول قضايا الهجرة في إسبانيا. تُشير بيانات الحكومة المحلية إلى أن ما يقرب من ثلث سكان مدينة توري باتشيكو من أصول أجنبية، وهو ما يمثل ضعف المتوسط في إسبانيا ككل، وفقاً لصحيفة “إل موندو”. وتستضيف المنطقة المحيطة بالمدينة أيضاً أعداداً كبيرة من المهاجرين الذين يعملون كعمال يوميين في القطاع الزراعي، الذي يُعتبر ركيزة أساسية للاقتصاد الإقليمي.
قبل أقل من أسبوعين من هذه الأحداث، اضطرت حكومة مورسيا للتراجع عن اقتراح لشراء مساكن لاستيعاب المهاجرين القصر غير المصحوبين بذويهم، وذلك بعد تعرض حزب الشعب المحافظ الحاكم لتهديدات من حزب فوكس اليميني المتطرف، الذي يعتمد عليه حزب الشعب لإقرار القوانين.
تُعتبر هذه الاضطرابات في توري باتشيكو من أسوأ حوادث العنف في البلاد خلال العقود الأخيرة، مما يعيد إلى الأذهان أحداث عام 2000 عندما اندلعت احتجاجات عنيفة مناهضة للهجرة في مدينة إل إيخيدو في ألميريا بجنوب إسبانيا بعد مقتل ثلاثة مواطنين إسبان على يد مهاجرين مغاربة.