
سبتة – صوت إسبانيا: أثارت قضية الإرجاع الجماعي للمهاجرين في سبتة جدلًا واسعًا بعد صدور حكم جديد عن المحكمة العليا الإسبانية يتعلق بالأشخاص الذين تعترضهم السلطات في البحر أثناء محاولتهم الوصول سباحة إلى سبتة أو مليلية. لكن الحكم لا يقول ببساطة إن جميع عمليات الإرجاع ممنوعة، كما أنه لا يمنح السلطات تفويضًا عامًا لإعادة المهاجرين بصورة فورية؛ فما الذي قررته المحكمة العليا تحديدًا؟
القضية التي وصلت إلى أعلى هيئة قضائية إسبانية بدأت بواقعة محددة، بعدما اعترضت السلطات الإسبانية في عرض البحر مواطنًا جزائريًا كان يحاول الوصول سباحة إلى مدينة سبتة برفقة شخصين آخرين.
وفي 29 يونيو/حزيران 2026، أصدرت الغرفة الخامسة للمحكمة العليا حكمها رقم 814/2026 في ملف الطعن بالنقض رقم 3795/2025، برئاسة القاضي المقرر فرناندو رومان غارسيا. ورفضت المحكمة الطعن الذي قدمته إدارة الدولة الإسبانية، مؤكدة الحكم الصادر سابقًا عن المحكمة العليا للعدل في الأندلس.
الحكم ركز على نقطة قانونية محددة: هل يمكن تطبيق نظام الرفض على الحدود المنصوص عليه في قانون الأجانب الإسباني على الأشخاص الذين يتم اعتراضهم في البحر أثناء محاولتهم السباحة نحو سبتة أو مليلية؟
وكان جواب المحكمة العليا واضحًا: لا.
الإرجاع الجماعي للمهاجرين في سبتة.. القضية التي وصلت إلى المحكمة العليا
تعود وقائع القضية إلى 14 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، عندما اعترضت السلطات شخصًا من الجنسية الجزائرية في عرض البحر أثناء محاولته دخول سبتة سباحة برفقة شخصين آخرين.
وبعد اعتراضه، جرى تسليمه إلى السلطات المغربية. ورفض المعني بالأمر الطريقة التي تمت بها العملية، فلجأ إلى القضاء الإسباني للطعن في الإجراء الذي اتخذته السلطات بحقه.
بحسب وقائع الحكم، اعتبر دفاعه أن تسليمه جرى من دون اتباع إجراء إداري ومن دون صدور قرار، كما أثار مسائل تتعلق بالحق في الاستعانة بمحامٍ وبضمانات الحماية الدولية. كما طالب بتعويض قدره 6 آلاف يورو عن الأضرار المعنوية التي قال إنها لحقت به، إلى جانب اتخاذ الإجراءات اللازمة من أجل عودته وإعادة قبوله في إسبانيا.
بدأ الملف أمام المحكمة الإدارية رقم 2 في سبتة، التي أصدرت حكمها في 4 سبتمبر/أيلول 2024 وأبطلت الإجراء الإداري محل الطعن، لكنها رفضت طلب التعويض عن الأضرار المعنوية.
بعد ذلك، طعنت إدارة الدولة في الحكم أمام المحكمة العليا للعدل في الأندلس.
وفي 24 مارس/آذار 2025، أصدرت المحكمة العليا للعدل في الأندلس حكمها رقم 290/2025، وأيدت فيه قرار المحكمة الأدنى ورفضت استئناف إدارة الدولة. بعدها انتقل النزاع إلى المحكمة العليا الإسبانية.
وهنا اكتسب الملف أهمية أوسع، لأن المحكمة العليا لم تعد تنظر فقط في حالة فردية، بل كان عليها تحديد القاعدة القانونية التي ينبغي تطبيقها في حالات اعتراض مهاجرين في البحر.
ماذا يعني حكم المحكمة العليا الإسبانية؟
جوهر الحكم يرتبط بالمادة الإضافية العاشرة من القانون العضوي الإسباني رقم 4/2000 الخاص بحقوق وحريات الأجانب واندماجهم الاجتماعي.
هذه المادة تضع نظامًا خاصًا بمدينتي سبتة ومليلية، وتنص على إمكانية رفض الأجانب الذين يتم اكتشافهم عند خط الحدود أثناء محاولتهم تجاوز عناصر الحماية الحدودية من أجل عبور الحدود بصورة غير قانونية.
لكن المحكمة العليا رأت أن هذه الصيغة لا يمكن توسيعها لتشمل الأشخاص الذين تعترضهم السلطات في البحر أثناء محاولتهم الوصول إلى سبتة أو مليلية سباحة.
وهذا التفصيل هو أساس القضية.
فالمحكمة لم تقل إن الحدود البحرية لا وجود لها، ولم تقل إن السلطات الإسبانية لا تستطيع اتخاذ إجراءات ضد الدخول غير النظامي.
بل فرقت بين نوع الإجراء القانوني الذي يمكن استخدامه في كل حالة.
وبالنسبة إلى الأشخاص الذين يتم اعتراضهم في البحر أثناء محاولة الوصول سباحة، خلصت المحكمة إلى أن الإجراء المناسب هو الإرجاع، وليس نظام الرفض على الحدود المنصوص عليه في المادة الإضافية العاشرة.
لماذا فرّقت المحكمة بين الرفض على الحدود والإرجاع؟
قد تبدو المصطلحات متشابهة عند استخدامها في الأخبار، لكنها تحمل معاني قانونية مختلفة داخل النظام الإسباني.
المحكمة الدستورية الإسبانية سبق أن درست نظام الرفض على الحدود الخاص بسبتة ومليلية في الحكمين 172/2020 و13/2021.
وفي هذا السياق، جرى التمييز بين الرفض على الحدود وبين إجراءات أخرى، من بينها العودة إلى نقطة الأصل والطرد والإرجاع المنصوص عليه في قانون الأجانب الإسباني.
المحكمة العليا عادت إلى هذا الإطار القانوني عند نظر القضية الجديدة.
وبحسب تفسيرها، فإن الشخص الذي يتم اعتراضه في البحر أثناء محاولة الوصول سباحة لا يكون في الوضع نفسه لشخص يتم ضبطه عند السياج الحدودي وهو يحاول تجاوز عناصر الحماية الموجودة على الحدود البرية.
وهذا الفارق هو الذي منع المحكمة من توسيع نطاق المادة الإضافية العاشرة ليشمل عمليات الاعتراض في البحر.
بمعنى آخر، طريقة الوصول والظروف التي يقع فيها الاعتراض لها أهمية قانونية في تحديد الإجراء الذي ينبغي اتباعه.
هل ألغت المحكمة العليا عمليات إرجاع المهاجرين؟
لا.
هذه نقطة مهمة للغاية في قراءة الحكم.
المحكمة العليا لم تصدر قرارًا يمنع جميع عمليات إرجاع المهاجرين من سبتة أو مليلية، ولم تعتبر الدخول غير النظامي إلى إسبانيا أمرًا قانونيًا.
ما قررته هو أن نظام الرفض على الحدود الوارد في المادة الإضافية العاشرة لا ينطبق على الأشخاص الذين يتم اعتراضهم في البحر أثناء محاولتهم الوصول سباحة إلى سبتة أو مليلية.
وفي هذه الحالات، قالت المحكمة إن الإجراء الذي ينبغي اتباعه هو إجراء الإرجاع.
لذلك، فإن تحويل الحكم إلى عبارة عامة من قبيل “المحكمة العليا منعت إرجاع المهاجرين” سيكون أوسع من مضمون القرار.
وفي الاتجاه المقابل، فإن القول إن الحكم يسمح للسلطات بإعادة أي مهاجر يتم اعتراضه في البحر بشكل فوري ودون إجراءات، سيكون أيضًا قراءة غير دقيقة.
الحكم يتناول مسألة إجرائية وقانونية محددة.
ماذا كانت تطلب الحكومة الإسبانية؟
خلال الطعن أمام المحكمة العليا، دفعت إدارة الدولة باتجاه تفسير أوسع للمادة الإضافية العاشرة.
وطلبت من المحكمة اعتبار أن النظام الخاص بالرفض على الحدود يمكن أن ينطبق أيضًا على الأشخاص الذين يتم اعتراضهم في البحر أثناء محاولتهم الوصول إلى سبتة أو مليلية، سواء سباحة أو باستخدام قوارب.
واستندت حجتها، من بين أمور أخرى، إلى وجود حدود بحرية لإسبانيا وإلى مفهوم خط الحدود، معتبرة أن عناصر الرصد والإنذار المبكر يمكن أن تدخل ضمن مفهوم الحماية الحدودية.
لكن المحكمة العليا لم تأخذ بهذا التفسير.
فبعد مراجعة نص القانون والاجتهاد القضائي للمحكمة الدستورية، انتهت إلى أن المادة الإضافية العاشرة لا يمكن تطبيقها على الأشخاص الذين يتم اعتراضهم في البحر أثناء محاولتهم دخول سبتة أو مليلية سباحة.
وهكذا رفضت المحكمة طعن إدارة الدولة وأبقت الحكم السابق قائمًا.
ما علاقة السياج الحدودي بالقضية؟
لفهم القرار، يجب العودة إلى صياغة المادة القانونية نفسها.
النص يتحدث عن أشخاص يتم اكتشافهم عند خط الحدود أثناء محاولتهم تجاوز عناصر الحماية الحدودية بهدف العبور غير النظامي.
وقد ركزت المحكمة على هذه العبارة.
في الحالات التي تناولتها القضية، لم يكن الأشخاص يحاولون تسلق السياج أو المرور عبر أحد عناصر الحماية البرية، وإنما كانوا في البحر ويحاولون الوصول إلى المدينة سباحة.
ولهذا رأت المحكمة أن تطبيق النظام الاستثنائي الخاص بالرفض على الحدود في هذه الحالة سيكون توسعًا في تفسير النص القانوني.
وهذا هو السبب الذي جعل المحكمة تختار تطبيق نظام الإرجاع بدلًا من الرفض على الحدود.
ولا يعني ذلك أن المحكمة تجاهلت وجود حدود بحرية.
النقاش لم يكن حول وجود الحدود، وإنما حول ما إذا كان الإجراء القانوني الخاص بالرفض على الحدود يمكن تمديده إلى هذا النوع من الاعتراضات البحرية.
والإجابة التي قدمها الحكم كانت بالنفي.
ماذا قالت المحكمة الدستورية قبل ذلك؟
لم يبدأ النقاش القانوني حول نظام الحدود في سبتة ومليلية مع حكم المحكمة العليا الصادر في يونيو/حزيران 2026.
فالمحكمة الدستورية الإسبانية سبق أن درست المادة الإضافية العاشرة من قانون الأجانب.
وفي حكمها رقم 172/2020، تناولت الطبيعة القانونية لنظام الرفض على الحدود، وميزته عن إجراءات أخرى مثل الإرجاع والطرد.
كما أكدت المحكمة الدستورية أن خصوصية موقع سبتة ومليلية كحدود خارجية لمنطقة شنغن أخذت في الاعتبار عند تقييم النظام القانوني الخاص بهما.
كما شددت على أهمية احترام الالتزامات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان والحماية الدولية.
ثم جاء الحكم رقم 13/2021 ليحيل إلى المبادئ التي سبق أن قررتها المحكمة الدستورية في الحكم السابق.
واعتمدت المحكمة العليا على هذا السياق القضائي عندما حسمت القضية المتعلقة بالاعتراضات البحرية.
الحكم لا يتحدث عن سياسة هجرة شاملة
من المهم أيضًا عدم تحميل الحكم أكثر مما يحتمل.
المحكمة العليا لم تكن أمامها مهمة وضع سياسة جديدة للهجرة في إسبانيا، ولم تكن تفصل في مجمل إدارة الحدود بين إسبانيا والمغرب.
القضية بدأت بطعن قدمه شخص واحد بعد اعتراضه في البحر وتسليمه إلى السلطات المغربية.
لكن المحكمة، أثناء نظر الطعن، كان عليها الإجابة عن سؤال قانوني ذي أهمية عامة: هل يجوز تطبيق المادة الإضافية العاشرة على الأشخاص الذين يتم اعتراضهم في البحر أثناء محاولتهم الوصول سباحة إلى سبتة أو مليلية؟
وقد أجابت بالنفي.
بعد ذلك، ثبتت المحكمة الحكم الصادر عن المحكمة العليا للعدل في الأندلس، ورفضت طعن إدارة الدولة.
كما قررت تحميل المصاريف القضائية وفق ما ورد في منطوق الحكم.
ماذا يعني ذلك بالنسبة إلى حالات الاعتراض في البحر؟
القاعدة التي وضعتها المحكمة العليا يمكن تلخيصها بشكل مباشر.
الشخص الذي يتم اعتراضه في البحر أثناء محاولته الوصول سباحة إلى سبتة أو مليلية لا يخضع لنظام الرفض على الحدود المنصوص عليه في المادة الإضافية العاشرة.
وبدلًا من ذلك، يجب التعامل مع الحالة وفق إجراء الإرجاع الذي يشير إليه الحكم.
وهذا التفصيل مهم بالنسبة إلى التغطية الإعلامية للموضوع.
فمصطلح “الإرجاع الجماعي” قد يعطي القارئ انطباعًا بوجود قرار عام يسمح للسلطات بإعادة مجموعة من الأشخاص بصورة آلية.
لكن الحكم الذي أصدرته المحكمة العليا لا يقدم مثل هذا التفويض العام.
إنه يحدد الإطار القانوني الواجب تطبيقه على فئة محددة من الحالات.
ولهذا فإن نقل القرار بدقة يتطلب الفصل بين ما قررته المحكمة فعلًا وبين الاستنتاجات السياسية أو الإعلامية التي قد تُبنى عليه.
ماذا نعرف بشكل مؤكد عن القضية؟
هناك مجموعة من المعطيات التي يمكن التحقق منها مباشرة من الحكم.
القضية تحمل رقم 3795/2025 أمام المحكمة العليا.
والحكم يحمل رقم 814/2026، وصدر في 29 يونيو/حزيران 2026 عن القسم الخامس من الغرفة الإدارية القضائية.
القاضي المقرر كان فرناندو رومان غارسيا.
والقضية الأصلية تعود إلى اعتراض مواطن جزائري في عرض البحر بتاريخ 14 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، أثناء محاولته الوصول إلى سبتة سباحة برفقة شخصين آخرين.
وقد أيدت المحكمة العليا قرار المحكمة العليا للعدل في الأندلس ورفضت طعن إدارة الدولة.
أما النقطة القانونية الأساسية، فهي أن المادة الإضافية العاشرة لا تنطبق على هذه الاعتراضات البحرية، وأن الإجراء الواجب تطبيقه هو الإرجاع بدلًا من الرفض على الحدود.
الخلاصة: ماذا قررت المحكمة العليا الإسبانية؟
الحكم الجديد لا يضع حدًا لجميع عمليات الإرجاع الجماعي للمهاجرين في سبتة، كما لا يشرّع عمليات إعادة فورية بلا إجراءات.
ما فعله هو توضيح حدود استخدام نظام الرفض على الحدود.
فالمحكمة العليا الإسبانية قررت أن المادة الإضافية العاشرة من قانون الأجانب، والخاصة بنظام سبتة ومليلية، لا يمكن تطبيقها على الأشخاص الذين يتم اعتراضهم في البحر أثناء محاولتهم الوصول سباحة إلى المدينتين.
وبالتالي، لا ينبغي إخضاع هؤلاء لإجراء الرفض على الحدود، وإنما لإجراء الإرجاع الذي ينص عليه القانون.
القضية بدأت بحالة فردية، لكنها انتهت بوضع قاعدة قضائية واضحة بشأن كيفية تعامل السلطات مع هذا النوع من الاعتراضات.
وهنا تكمن أهمية الحكم: ليس في كونه قرارًا شاملًا بشأن الهجرة، وإنما في كونه تحديدًا قضائيًا للإجراء القانوني الذي يجب استخدامه في حالة محددة من حالات الوصول غير النظامي إلى سبتة ومليلية.
الأسئلة الشائعة
هل منعت المحكمة العليا الإسبانية جميع عمليات إرجاع المهاجرين؟
لا. الحكم يخص الإجراء الذي يجب تطبيقه على الأشخاص الذين يتم اعتراضهم في البحر أثناء محاولتهم الوصول سباحة إلى سبتة أو مليلية.
ما الإجراء الذي يجب تطبيقه في هذه الحالات؟
بحسب المحكمة العليا، يجب تطبيق إجراء الإرجاع بدلًا من نظام الرفض على الحدود.
هل أصبح الدخول غير النظامي إلى سبتة قانونيًا؟
لا. الحكم يتعلق بالإجراء الإداري والقانوني الواجب اتباعه، ولا يجعل الدخول غير النظامي قانونيًا.
ما القضية التي أدت إلى صدور الحكم؟
تتعلق القضية بمواطن جزائري اعترضته السلطات في عرض البحر يوم 14 نوفمبر/تشرين الثاني 2024 أثناء محاولته الوصول إلى سبتة سباحة برفقة شخصين آخرين…..المزيد



