طفل صغير يتحدث مع أخصائية في غرفة جيزيل المخصصة للمحاكم بموجب تعديل قانوني جديد في إسبانيا لصالح الأطفال من راديو صوت إسبانيا.

تعديل قانوني جديد في إسبانيا لصالح الأطفال

مدريد – صوت إسبانيا Spanist : يسير تعديل قانوني جديد في إسبانيا لصالح الأطفال بخطوات متسارعة داخل أروقة النظام القضائي الإسباني بعد الموافقة عليه رسمياً، بهدف السماح للقُصّر من أي عمر بالإدلاء بشهادتهم أمام المحاكم. وتعمل هذه الخطوة على تفكيك عقود من الإجراءات التقليدية الجامدة، وتجبر المحاكم والأخصائيين على التكيف الفعلي لحماية الأطفال نفسياً. لكن التحدي الأكبر يكمن في سؤال جوهري: هل تستطيع منظومة العدالة الإسبانية تغيير أدواتها العتيقة لتفهم لغة طفل صغير؟

ماذا يعني هذا التغيير الفعلي في قانون حماية الطفولة؟

وافقت الحكومة الإسبانية مؤخراً على مشروع لإعادة صياغة قانون حماية الأطفال والمراهقين من العنف، المعروف باسم LOPIVI. في السابق، كان النظام القضائي يتعامل بحذر شديد مع شهادات الصغار، حيث كان القاضي ملزماً فقط بسماع الطفل الذي تجاوز سن 12 عاماً. أما من هم دون ذلك، فكانوا يخضعون لاختبارات معقدة لتقدير مدى امتلاكهم “النضج الكافي”.

التعديل الجديد أزال هذا الجدار تماماً؛ فلم يعد العمر عائقاً قانونياً يمنع الطفل من التعبير عن رأيه. بموجب الإصلاحات الجديدة، يحق لأي طفل يتأثر بقرار قضائي أو إداري أن يتحدث ويُستمع إليه مباشرة، بغض النظر عن تاريخ ميلاده أو تقييمات النضج التقليدية.

هذا التحول يسحب البساط من طريقة التفكير القديمة التي تتمحور حول البالغين فقط عند اتخاذ القرارات الأسرية الحساسة. لن يظل الأطفال مجرد أرقام صامتة في ملفات القضايا التي ترسم ملامح مستقبلهم.

قصة واقعية من المحاكم: حكاية لوسيا ومارتين

لفهم كيف يغير هذا القانون الواقع اليومي، دعونا نتأمل قصة حقيقية تتكرر باستمرار في قضايا الطلاق الشائكة. لدينا شقيقان: مارتين (13 عاماً) ولوسيا (7 أعوام)، يمر والداهما بدعوى حضانة معقدة تتضمن الانتقال للعيش في مدينة أخرى.

في ظل النظام السابق، كان من حق مارتين تلقائياً الجلوس مع القاضي لشرح رغبته ومع من يفضل العيش. أما شقيقته لوسيا، فكانت تُستبعد تماماً من هذه الجلسة لأنها لم تبلغ السن القانونية، إلا في حال طلب القاضي رأي خبير نفسي لتقييم نضجها، وهو إجراء يطول لشهور. ونتيجة لذلك، كان رأي لوسيا يضيع وسط ادعاءات الأبوين المتناقضة.

بموجب الإصلاحات الأخيرة، تملك لوسيا ذات الحق الذي يملكه شقيقها الأكبر. ويلتزم القاضي بالاستماع إليها عبر أساليب تناسب مرحلتها العمرية. وعلمت صوت إسبانيا من مصادر قانونية أن هذا التعديل سينقذ آلاف الأطفال سنوياً من تجاهل رغباتهم المشروعة في نزاعات الحضانة.

كيف سيتم سماع الأطفال بالمحاكم بطريقة عملية؟

إن إجبار طفل صغير على دخول قاعة محكمة كلاسيكية، والوقوف أمام منصة القضاء العالية ومواجهة محامين يرتدون عباءات سوداء، يعد خطأ جسيماً يترك ندوباً نفسية لا تندمل. ولذلك، يمنع البروتوكول الجديد هذه المشاهد تماماً.

تتجه وزارة العدل الإسبانية إلى تعميم استخدام “غرف جيزيل” (Salas Gesell)؛ وهي غرف مخصصة ومجهزة لتبدو كغرف ألعاب أو فضاءات دافئة للأطفال، بعيدة كل البعد عن كآبة المكاتب الحكومية المعتادة.

أخصائيون وتقنيات بدلاً من الرسميات والرهبة

  • مقابلات ودية وموجهة: لا يجلس الطفل أمام القاضي وجهاً لوجه، بل يتحدث معه أخصائي نفسي أو اجتماعي مدرب على التعامل مع الطفولة، ويطرح عليه أسئلة مصممة بعناية لتناسب إدراكه.

  • الشهادة المسجلة مسبقاً: لتفادي تكرار الاستجواب الذي يسبب صدمات متتالية للمنتهكين أو المتضررين، يتم تسجيل الجلسة بالفيديو مرة واحدة لتعتمد كدليل رسمي طوال القضية.

  • مرافق موثوق: يحق للطفل اصطحاب شخص يثق به تماماً كأحد أقاربه أو مرشده النفسي ليكون بجانبه ويمنحه شعوراً بالأمان طوال فترة الإدلاء بالشهادة.

لماذا تعتبر هذه الخطوة حيوية للمجتمع الإسباني؟

واجهت المنظومة القضائية في إسبانيا لسنوات انتقادات حادة بسبب جمودها في القضايا المرتبطة بالقصّر. وكان يُنظر لشهادات الأطفال في حالات العنف الأسري بكثير من التشكيك، وأحياناً تُتهم الأمهات بتلقين الأطفال تلك الشهادات لتصفية حسابات شخصية مع الآباء.

وأقرت وزيرة الشباب والطفولة الإسبانية، سيرا ريغو، بأن الدولة كانت “مدينة للأطفال” بهذا الإصلاح الحقوقي. فالهدف الأساسي ليس زيادة أعداد الجلسات، بل ترسيخ مبدأ “المصلحة الفضلى للطفل” وحمايته من التهميش أو التجاهل أثناء القرارات المصيرية.

إسبانيا في مواجهة النماذج الأوروبية: أين نقف؟

لا يعد هذا الإصلاح في إسبانيا تجربة وليدة من الفراغ، بل هو خطوة جادة للحاق بالأنظمة القضائية الأكثر حداثة في القارة الأوروبية.

على سبيل المثال، تطبق ألمانيا منذ سنوات نظام Verfahrensbeistand، وهو ما يُعرف بـ “محامي الطفل” أو المدافع المستقل، الذي لا يمثل مصلحة الأب أو الأم بل ينحصر دوره في نقل رغبات الطفل وتوضيحها للمحكمة بصورة علمية ومستقلة.

وفي فرنسا، تم تفعيل وحدات حماية خاصة بالمستشفيات والمحاكم لتوثيق شهادات الأطفال الصغار دون تعريضهم للضغط العصبي. ومع إقرار هذا التعديل في مدريد، تبدأ إسبانيا في سد الفجوة التنظيمية لتتواءم مع تلك المعايير الأوروبية المتقدمة.

مقارنة بين النظام القضائي السابق والإصلاح الجديد

يوضح الجدول التالي حجم النقلة النوعية التي يقدمها التعديل الجديد في تعامل المحاكم مع شهادات القُصّر:

وجه المقارنةالنظام القضائي السابقالنظام الجديد بعد الإصلاح
الحد الأدنى لسن الاستماعإلزامي فقط من سن 12 عاماً فما فوق.لا يوجد حد أدنى للسن على الإطلاق.
شرط تقييم الأهليةضرورة إثبات “النضج الكافي” لمن هم دون الـ 12.يتم التقييم بناءً على قدرة الطفل على التعبير بلغة تناسب سنه.
مكان الاستجوابمكاتب التحقيق العادية أو قاعات المحاكم التقليدية.غرف جيزيل الصديقة والمجهزة للأطفال.
الفريق القانوني المعاونأخصائيون عامون غير متفرغين في الغالب لقضايا الطفولة.إجبارية الاستعانة بفرق متخصصة ومحامين مدربين على نفسية الطفل.

تفاصيل فنية تمنع استخدام النظريات المثيرة للجدل

يمتد نطاق هذا التعديل ليعالج ثغرات قانونية لطالما استُغلت في قضايا النزاع على الحضانة. إذ يحظر القانون الجديد صراحة استخدام ما يسمى “متلازمة الاغتراب الوالدي” (SAP) في المحاكم الإسبانية.

وهذه النظرية، التي لا تحظى بأي اعتراف علمي من منظمة الصحة العالمية، كانت تُستغل لاتهام أحد الأبوين بغسل دماغ الطفل ودفعه لكراهية الطرف الآخر، مما كان يؤدي أحياناً إلى إجبار الأطفال على العيش مع آباء يرفضونهم أو يخشونهم.

ولتفادي مثل هذه الأخطاء، تلتزم نقابات المحامين الإسبانية حالياً بإنشاء أقسام مخصصة لتدريب الدفاع القانوني، لضمان فهم المحامين لآليات الصدمة النفسية لدى الأطفال ومساعدتهم بطرق علمية دقيقة.

هل أصبح هذا القانون نافذاً بشكل نهائي؟

يجب التوضيح بأن مجلس الوزراء الإسباني قد وافق على مسودة التعديل في “القراءة الأولى”. هذا يعني أن الإجراءات التنفيذية والبرلمانية لم تنتهِ بعد.

وسيمر مشروع القانون عبر غرفتي البرلمان الإسباني (الكونغرس ومجلس الشيوخ) لمناقشة التعديلات المقترحة من الأحزاب السياسية المختلفة قبل إقراره ونشره في الجريدة الرسمية للدولة. وحسب المعلومات التي حصل عليها فريق صوت إسبانيا، فإن هناك توافقاً سياسياً واجتماعياً واسعاً يعزز من فرص تمرير القانون سريعاً ودون عقبات تذكر.

الرؤية الإستراتيجية لوزارة الشباب والطفولة

لفهم الأبعاد الكاملة وراء هذا التوجه، يمكن مراجعة التقارير الرسمية التي تصدرها الجهات المعنية بالدولة. وتوضح منشورات Ministerio de Juventud e Infancia الإستراتيجية الوطنية التي تسير عليها إسبانيا لحماية القُصّر، والتي تتلخص في النقاط التالية:

  • ترسيخ مبدأ المشاركة: الانتقال من فكرة حماية الطفل السلبية إلى تمكينه الإيجابي من التعبير عن حقوقه ورغباته.

  • الحد من العنف الهيكلي: بناء آليات رصد ومتابعة مبكرة لحماية الأطفال في المدارس والنوادي الرياضية ومحيط الأسرة.

  • التكامل المؤسسي: تحسين قنوات الاتصال بين جهاز القضاء والخدمات الاجتماعية لضمان التدخل الفوري لحماية الحالات المعرضة للخطر.

  • التوافق الدولي: مواءمة القوانين المحلية مع الاتفاقيات الأممية لضمان معاملة عادلة وإنسانية للأجيال الناشئة.

الأسئلة الشائعة

هل يستطيع طفل في عمر الرابعة الإدلاء بشهادته في قضايا الحضانة؟

نعم. يسمح التعديل الجديد بمشاركة جميع الأطفال بغض النظر عن سنهم. وتتم العملية عبر أخصائيين نفسيين يتواصلون مع الطفل من خلال اللعب والرسم لاستنباط مشاعره ورغباته دون التسبب في أي ضغوط نفسية له.

ما هي غرف جيزيل وكيف تساهم في حماية الطفل؟

هي غرف مقسمة بزجاج عاكس من اتجاه واحد ومجهزة بكاميرات خفية وألعاب. يجلس فيها الطفل مع أخصائي نفسي فقط، بينما يتابع القاضي والوكلاء الجلسة من خلف الزجاج دون إشعار الطفل بوجودهم، مما يحافظ على هدوئه وراحته النفسية.

هل يملك الطفل الحق في رفض الحديث أمام المحكمة؟

بالتأكيد. حق الاستماع هو امتياز لحماية الطفل وليس واجباً قانونياً يُكره عليه. وإذا تبين للأخصائيين أن المقابلة تسبب قلقاً أو عبئاً نفسياً للطفل، يتم إلغاؤها فوراً والاعتماد على تقارير المراقبة الخارجية.

كيف يؤثر التعديل الجديد على قضايا العنف الأسري؟

يضمن القانون عدم إهمال شهادة الأطفال الذين يشهدون وقائع العنف داخل منازلهم، مما يتيح للقضاة اتخاذ إجراءات حماية سريعة مثل إبعاد الطرف المعتدي أو تعليق زيارات الرؤية لحين استقرار الحالة الأمنية والنفسية للأسرة.

تفرض التغييرات الجديدة على المحاكم الإسبانية التكيف مع واقع طالما ظل مغيباً عن كواليس العدالة، وهو الاستماع المباشر للأطفال قبل النطق بأي حكم يقرر مصيرهم وحياتهم القادمة.

للتواصل info@spainalyom.com